على استحياء، وبأصوات خافتة، دعا بعض الذين يطلق عليهم النخبة إلى مقاطعة المشاركة في الانتخابات الرئاسية، باعتبارها «مسرحية هزلية» معروفة نهايتها مسبقًا بفوز الرئيس عبد الفتاح السيسي بأربع سنوات أخرى؛ مرتئين توفير الأموال التي ستنفق على الانتخابات «الشكلية» من وجهة نظرهم، وتوجيهها إلى الفقراء والمساكين وعابري السبيل!

كلام ليس بجديد، وسبق أن رددته نفس «النخبة» تقريبا ايام الرئيس الأسبق حسني مبارك في انتخابات 2005، ثم أعادوا إنتاجه في الانتخابات الرئاسية 2014، والتي خسر فيها «حمدين صباحي» أمام «الأصوات الباطلة»، بينما كان عبد الفتاح السيسي يغرد منفردًا؛ ليتولى مقاليد الأمور في البلاد لأربع سنوات، وفقًا للدستور.

ومن قبل إعلان الهيئة الوطنية للانتخابات، برئاسة المستشار لاشين إبراهيم، عن الجدول الزمني التفصيلي للانتخابات الرئاسية عام 2018، ونحن نسمع نفس نغمة «المقاطعة» من نفس الأشخاص الذين لا يستحقون ذكر أسمائهم، وليس لهم تأثير يذكر في الشارع المصري.

بعض الأسماء التي دعت إلى المقاطعة هم أنفسهم الذين كانوا يرددون الهتافات المسيئة للجيش والشرطة، وملأوا الدنيا صراخًا وعويلًا؛ احتجاجًا على إعلان ترشح السيسي للرئاسة؛ لأنهم لا يريدون العودة إلى ما يصفونه بالحكم «العسكري»، ويرغبون في مرشح مدني «حلو ومسمسم»!

ومن العجب الذين هاجموا ترشح السيسي في الفترة الأولى؛ باعتباره رجلًا «عسكرياً» خلع خلع زيه العسكري، وارتدى بذلة مدنية، وجدناهم يرحبون بإعلان الفريق «أحمد شفيق» ترشحه للرئاسة من مقر إقامته في الإمارات، قبل أن يغير موقفه بعد العودة إلى مصر. ثم وجدناهم يدعمون الفريق «سامي عنان»، رئيس أركان القوات المسلحة الأسبق، عقب البيان «المتلفز» الذي ألقاه على «الشعب السيد» بعد «نص الليل»! وكأن شفيق وعنان لم يكن لهما صلة بالعسكرية، ولم يصلا إلى مناصب عليا فيها.. فما سر هذه الشيزوفرينيا؟

إذا كان هؤلاء يريدون مرشحًا «مدنيًا» حقًا، فها هو «خالد علي». فالرجل «مدني بكرتونته»، وكان أمامهم، وبإمكانهم دعمه- لو كانوا صادقين. لكن ما إن أعلن خالد ترشحه حتى هاجمه نفس الأشخاص، والأدهى انهم اتهموا «النظام» بعقد «صفقة سرية» مع خالد علي ليؤدي دور «الكومبارس» أمام السيسي! وعندما تراجع خالد عن فكرة ترشحه، بزعم «سرقة توكيلاته»، وجدنا هؤلاء يتهمون نفس «النظام» بتدبير السرقة المزعومة خوفًا من فوز «خالد» بالرئاسة، وينتزعها من السيسي! يا دين النبي يا جدعان.. دي أدمغة متكلفة!

ثم عندما أعلن النائب- المسقط عنه عضويته مرتين في برلمانين وعهدين مختلفين- محمد أنور عصمت السادات، ترشحه «الإعلامي والإعلاني» للرئاسة، وجدنا نفس الأشخاص يحتفون به، باعتباره «مدنيًا» من غير سوء. لكن إعلان الرجل لم يدم طويلاً، فقد تراجع عن الفكرة؛ بزعم عدم وجود مناخ سياسي ملائم، وغيرها من الشعارات التي يرددها هو وأمثاله.

ومن بعد السادات جاء مرتضى منصور ليعلن ترشحه، وكالعادة لم يأخذ أحد تصريحات الرجل مأخذ الجد، وقد أثبتت الأيام أن مرتضى «بتاع كلام»، ولم يترشح. لكن الغريب كان الهجوم العنيف من نفس «النخبة» الذين يمارسون قمعًا، وقهرًا، وإرهابًا على كل مَنْ يخالفهم الرأي وحرية الاختيار؛ فادعوا- كما العادة- أن هناك أوامر من «جهات سيادية» صدرت لمرتضى بالترشح أمام السيسي لـ«ينهزم» امامه، بعد أن يؤدي الدور المطلوب منه، بينما لم نسمع أصواتهم عندما ثبت لهم بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن مرتضى «محدش بياخد على كلامه»!

وعندما أعلن موسى مصطفى موسى ترشحه، ناله ما نال سابقيه؛ نفس الاتهامات؛ نفس الملاحظات؛ نفس التعبيرات التي يتقيؤها نفس الأشخاص في جميع وسائل الإعلام وعلى حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي.

والحقيقة أن أيًا من الذين أعلنوا ترشحهم لم يصدق منهم إلا اثنان؛ السيسي وموسى، وهما المرشحان الوحيدان اللذان يخوضان الانتخابات الرئاسية. أما بقية الأسماء فلم تكن جادة في الترشح، ولم تتخذ أي خطوات فعلية لخوض السباق، بمن فيهم خالد علي؛ لذا فمن العجب أن يعلن هؤلاء «انسحابهم»، فإذا كانوا لم يترشحوا «رسميًا» فمن الذي أعطى لهم حرية استخدام مصطلح «الانسحاب»؟

هؤلاء و«شِلتهم» حرام عليهم لو قالوا «كلمة حلوة» فـ«أكل عيشهم» من المعارضة، يستعذبون الألم، ويعيشون- دومًا- في دور المضطهد، ويعزفون على نغمة الضحية المغلوبة على أمرها؛ ليكسبوا تعاطف فئات وشرائح من الشعب. لكن ظني- وبعض الظن صدق- أن الشعب ملَّ من تكرار نفس السيمفونية التي يعزفها نفس الأشخاص الذين يريدون فرض وصايتهم على الشعب، وكأن الشعب «قاصر»، ولم يبلغ سن الرشد بعد!

ربما تكون هناك ملاحظات على العملية الانتخابية، لكن الملاحظات الأكبر على هؤلاء الذين يهاجمون أي شيء، وينتقدون أي شخص، ويلقنوننا دروسًا في فنون «التنظير» و«التأطير»، ويتحدثون عن «المقاطعة» ويحرضون عليها، كما لو كانوا يملكون تحريك الناخبين، وهم أبعد عن ذلك.

على كلٍ، لن نقفز على المشهد، ولن نستبق الأحداث، فإن غدًا لناظره قريب، وما أقرب الانتخابات، وساعتها سيقول الناخبون كلمتهم في الصندوق.