دعوات عدة من مسؤولين وسياسيين وإعلاميين وعلماء دين، وكلها تحرض الشعب على المشاركة بـ«كثافة» في الانتخابات الرئاسية المقبلة 2018؛ لإيصال رسالة إلى العالم، لأنها سوف تحدد- بشكل كبير- مصير مصر، وأن مقاطعتها، أو عدم المشاركة فيها قد تؤتي بشخص غير مرغوب فيه، وليس مؤهلًا لإدارة شؤون البلاد في هذه المرحلة الحرجة.

الرهان على المشاركة- بكثافة- في الانتخابات الرئاسية يزداد يومًا بعد يوم. الآمال معقودة على الشعب. البعض يريد مشهدًا لا يقل روعة ولا حضارة عن المشهد الذي تناقلته وسائل الإعلام العالمية، حين طلب السيسي تفويضًا من المصريين لمحاربة الإرهاب، وحين حثهم على النزول للإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع في الفترة الرئاسية الأولى.

لكن ينبغي ألا نفرط في الأحلام، ونُحمل على الشعب ما لا طاقة له به. فالمصريون يتحركون حين يستشعرون الخطر. نزلوا أسرابًا وجحافل في يوم 30 يونيو 2013 ضد حكم الإخوان، و3 يوليو 2013؛ لتأييد القوات المسلحة في عزل محمد مرسي، ثم نزلوا كالطوفان في 26 يوليو فاق الثلاثين مليونًا؛ لتفويض الجيش في مواجهة الإرهاب المحتمل.

أما الآن، فظني أن المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لن تكون بمثل كثافة سابقتها في 2014؛ فالشعب- الآن- اطمأن بعد خوف، وبعد أن رأى علامات الاستقرار بادية على جميع مؤسسات الدولة، واطمأن إلى رئيسه الذي ارتضاه، و«بصم له بالعشرة»، كما أنه يرى أن فرصة فوز منافسه «موسى مصطفى موسى» لن تتجاوز فرصة فوز الزمالك بالدوري في الموسم الحالي!

لا شك أن المشاركة في أي استحقاق سياسي «واجب وطني»، وإذا كانت دعوات الحشد للمشاركة في الانتخابات مقبولة من مختلف أطياف المجتمع، إلا أن لدي تحفظ على «الفتاوى» التي تُحَرِّم عدم المشاركة فيها، وأرى ضرر هذه الفتاوى أكبر من نفعها؛ لأنها قد تأتي بنتيجة عكسية، وربما يستغلها المغرضون في تشويه صورة المؤسسات الدينية، ويتقولون عليها، ويدَّعون أنها توظف الدين لخدمة السياسة.

في المقابل، نرى أن دعوات المقاطعة «عمل خبيث» لبعض السياسيين الذين يريدون القفز إلى صدارة المشهد وإعادة تسليط الضوء عليهم، بعد فشلهم الذريع في تقديم مرشح جاد جدير بالمنافسة على المنصب الرئاسي، وقادر على استيفاء الشروط «الدستورية والقانونية» اللازمة للترشح.

نعم، نفر من الناس يهوون ممارسة الأعمال الصبيانية، ويُقدِمون على تصرفات تفتقر إلى الحنكة، ويسعون إلى إثارة البلبلة وشق الصف الوطني؛ للحصول على نفع شخصي على حساب مصلحة الوطن. فإذا كان الهدف من «المقاطعة» اتخاذ موقف تجاه بعض الأمور التي يرفضها أعضاء ما يسمى بتحالف المعارضة، فإن الذهاب إلى صناديق الاقتراع والإدلاء بالرأي- حتى ولو بـ«لا»- من أسمى معاني الوطنية.

نعلم أن هناك بعض القوى التي لا تريد لمصر خيرًا، وهناك مؤامرات تحاك ضد مصر، ولا تريدها أن تنهض؛ لذا فالنزول بكثافة فى الانتخابات الرئاسية، لا يمثل اختبارا لمرشحي الرئاسة وإنما اختبار لإرادة المصريين، فلا يمكن أن تتقدم أمة دون عرق وتعب أبنائه.

آن الأوان أن نثبت للعالم قدرتنا على حماية هذا الوطن وبناء مستقبله بالمشاركة الحقيقية، وعدم التكاسل في أداء واجبنا الوطني والاستحقاق الرئاسي الذي ستنقله فضائيات العالم.