"مرة كان معايا عيدان ريحان بس كتير شوية، مش بوكيه ورد يعني، لقيت حد بيقولي روح سرّح يا معفن بدل ما تجبلها ورد".. بعد محاولة التماسك قليلا إثر نوبة الضحك الهيسترية التي دخل فيها، يعبر "أحمد نبيل" عن فكرته الصادمة، ردا على سؤال طرحته إحدى صديقاته: "ليه المواطن اللي شايل ورد في الشارع في مصر، المواطنين التانيين بينظروا له نظرة اللي بيرتكب فعل فاضح في الطريق العام".

يظل للورد مكانة خاصة كـ هدية رومانسية في أعياد الحب وأعياد الزواج، وكل المناسبات الرومانسية من خطوبة وزواج، لدرجة أن بعض الفتيات يقضين وقتا طويلا في تحديد نوعية وشكل ولون "بوكيه الورد" في حفل الخطوبة أو الزفاف، ولا يخلو الأمر بالطبع من بعض الخناقات البسيطة أحيانا، بل والكبيرة في أحيان أخرى، والتي قد تصل إلى "فركشة" الارتباط.

المواقف الطريفة والدالة لا تنتهي، يحكي "حسام" نوادره مع بوكيه الورد ليس فقط في عيد الحب: "مرة كنت جايب بوكيه ورد وواقف قدام إحدى الجامعات، ومنتظر خطيبتي تخرج عشان أفاجئها، لقيت راجل وقف في وشي، وقالي: حسبنا الله ونعم الوكيل فيكوا.. إحنا مش لاقيين ناكل وأنت رايح تجيب ورد، ومن ساعتها أما أجيب ورد بحطه في شنطة سودة لحد ما أروح المكان وأطلعه، ودايما بردد على سبيل السخرية، الورد غمض في شوارع مصر"، ويضيف: "أعتقد إن ده فعلا رد فعل الأغلبية، ورد أيه اللي هاتدفعوا فيه فلوس والناس مش لاقية تاكل؟".

عايزة ورد يا إبراهيم!

يحيلنا هذا الموقف، وتحديدا اعتبار الورد رفاهية وترفا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وظروف المعيشة التي تقدم "اللقمة" على الوردة، إلى المشهد اللافت في فيلم "أحلى الأوقات، والحوار العبقري الخالد بين يسرية وإبراهيم، والجملة التي صدمت بها "يسرية" زوجها حينما ردت عليه لتصبح مضرب الأمثال: "عايزة ورد يا إبراهيم".

يشتبك "عبد الغني" مع القصة مسترجعا موقفا مر عليه سنوات، عندما كان يشتري وردا في فترة الخطوبة: "تشجعت وتجرأت واشتريت بوكيه ورد معتبر، وكان عليّ أن أخوض المعركة في شوارع شبرا، كنت بتعاكس عشان شايل بوكيه ورد، البنات يرمقونني بنظرات الإعجاب ويتمتمون، والرجال ينظرون إلى باستغراب، هنا قررت التوقف عند محل بقالة، وطلبت منه كيسة سودة، الرجل كان لطيفا جدا، ما زلت أذكر رد فعله، قال لي: الجمال ده كله يدارى ليه يا ابني، لكني كنت مضطرا لإخفاء جريمتي العظيمة عن العيون المتلصصة، حتى أوصله بالسلامة".

افتكروني خواجاية!

يبدو أن الأمر بالنسبة للنساء أصعب، فإذا كان هذا هو حال الرجل، فما بالنا بحال المرأة التي تحمل بوكيه ورد في الشارع في مجتمع شرقي، تقول "صفا": هو اللى حكيته ده ماسكة ورد وراكنة فى مكان ابعد شوية وبمشى رجلى عادى خالص وبصات بقى منهم بصة بقولك لحد دلوقتى مافهمتهاش حقد ولاغل ولاحتقتل حالا ولا انا ست بطالة ما فهمتش صدقينى مجتمعنا بقى فيه نماذج صعبة ربنا يعافيها من نفسها، يمكن كانوا بيفتكروني خواجاية ولا حاجة".

كلنا في الورد.. عرب!

يأتي "مصطفى" على ذكر موقف عايشه أيضا في تونس: "الشعور بالإحراج من شراء الورد وحمله في الأماكن العامة لا يقتصر على مصر فقط، يبدو أن الشعوب العربية كلها كذلك، مرة في تونس كنت شايل بوكيه ورد ضخم وداخل كافيه لقيت نفس النظرة الغريبة والعجيبة والمندهشة، بالرغم من أن تونس مجتمع منفتح جدا، لكن صدمت فعلا برد فعل الناس".

شعور بالنقص وطاقة سلبية!

يرجع الدكتور محمد شاهين، تخصصي الطب النفسي، مثل هذه التصرفات والسلوكيات إلى الشعور بالنقص، ويؤكد أن "فعل السخرية والانتقاد على الأفعال العادية لا يأتي من شخص سوي، وخاصة إذا لم يكنهناك سابق معرفة بينه وبين الشخص الذي يسخر منه، وهذا لا يُفسر نفسيا إلا أنه شعور بالنقص وطاقة سلبية يفرغها الشخص الناقص تجاه الأمور التي يراها مكتملة، حيث أنه لا يسطيتع أن يفعل هذا، فينتقد الفعل لتشويه الكمال.

ويضيف "شاهين": "رغم أن هذه التصرفات لا تضر هؤلاء في شيء ولا تؤذيهم إلا أنهم يحاولون تشويهها، تشويه كل شيء جميل حتى يشعروا بالرضا عن أنفسهم، ويشبعوا إحساسهم بالنقص والجفاف العاطفي، الذي يجدون أنفسهم مضطرين له، لأن التعبير عن مشاعرهم بهذه الطريقة مكلف ويعتبرونه ترفا ورفاهية، لا يملكون ثمنها".